بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
من اللافت ان يكرم والدي كامل الشريف رحمه الله، في مؤتمر كرس لغزة على أرض إفريقية، وهو الذي بدأ حياة من الجهاد ولما يبلغ سن العشرين، عبر رفح، دفاعا عن فلسطين، من أرض غزة.فهو احد القادة المعدودين في حرب فلسطين عام ثمانية وأربعين، وأحد أبطال مقاومة الإنجليز في قناة السويس، وبذلك كان يستطيع والدي رحمه الله ان يجمع في يده السلطة والقوة، وان يتبوأ اعلى المناصب في بداية حياته، ولكنه انحاز إلى مبادئه وعقيدته، موثرا الإعتقال والإضطهاد على ان يشهر سلاحه في وجه أخيه، إيمانا منه أن من نذر نفسه للدفاع عن الدين والأمة لا ينبغي له أن يشهر سلاحه إلإ في وجهه أعداء الأمة، وقد ارخ لتلك الفترة من خلال مرجعين مهمين هما "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين" و " المقاومة السرية في قناة السويس".
وقد احتضنه الملك الحسين رحمه الله عندما ضاقت به الأرض، فاستمر عطاؤه الكبير بعد ان اصبح الأردن ملاذه الآمن، ونذر نفسه لخدمة الإسلام والمسلمين، تاركا بصمات واضحة على جميع المناصب التي تبوأها، فعندما كان سفيرا في نيجيريا كرس جهده لدعوة المجتمعات الإفريقية إلى الإسلام، وقام بترجمة وطباعة القرآن الكريم إلى اللهجات المحلية، وقد أسلم على يده عشرات القبائل والقرى، كما تصدى للمد الصهيوني في افريقيا، وكان من أوائل من حذر منه، ونشر كتابا مهما بعنوان" التوغل الصهيوني في افريقيا"، وتعددت إنجازاته من خلال عمله كوزير للأوقاف، وعضويته في مجلس الأعيان، من إنشاء صندوق الزكاة وجامعة القدس.
ويعتبر والدي رحمه الله احد مؤسسي منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، ومن ثم اسس المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، الذي طوى تحت جناحه عشرات المنظمات الإسلامية، كما كان عضوا في العديد من المنظمات الإسلامية والعالمية، ومفندا للأكاذيب الصهيونية، ومرافعا عن قضايا المسلمين، ووسيطا لرأب الصدع، وممثلا للإسلام الوسط في حوار الأديان، ومدافعا عن حقوق وكرامة الأسرة، ولم يدخر جهدا ما دام بقوة من الله.
ويشاء الخالق سبحانه وتعالى ان يكون آخر مؤتمر حضره في هذه البلاد الجميلة، ويشاء الله بعيد عام على وفاته، ان نجتمع لتكريمه هنا على بعد سبعة آلاف وخمسمائة كلم من مرقده، في مؤتمر حول غزة، متذكرين قول الرسول صلى الله عليه وسلم "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار".
في هذه القارة، وقبل أكثر من أربعة عقود، قابل والدي الأمريكي الأفريقي المسلم مالكوم اكس، الذي ناضل من اجل الإسلام والوحدة والمساواة في أمريكا، واخبرني والدي أنهما تذكرا الخطر الصهيوني في افريقيا والعالم، وقد نسب لصاحبه قول "الصهيونية اسوأ من الإشتراكية لأنها جعلت مقبولة" وقبل مرور عام على ذلك اللقاء نالت يد الغدر من ذلك المناضل الكبير.
انطروا كيف تطورت هذه الصورة عبر عقود اربعة، ليبرز الحدثان الأكثر أهمية خلال العام، إننا نشهد رئيسا أمريكيا من أصل إفريقي مسلم، اطلع على عظمة الإسلام وعايش هموم ومشاكل أمته، وها هو يفرد مقابلة للجمهور العربي، ويعد بمخاطبة الأمة من إحدى العواصم الإسلامية، بعد ثمان سنوات من الحرب على المسلمين، وتقييد عمل المنظمات الإسلامية بدعوى الحرب على الإرهاب، ونحن إذ نمد إيدينا ونرحب بتفاؤل حذر برياح التغيير هذه، نؤكد على أهمية الحوار بحيث تبلغ اصواتنا ما بلغ الليل والنهار، وان نستثمر مواردنا وطاقاتنا في افراز إعلاميين متنورين يمثلون الصورة الباهرة والمشرفة للإسلام في القنوات الرئيسية، حتى لو كان ذلك عبر الإعلان المدفوع، ففي عصر المعلومات والإعلام، يصبح إيصال الحقيقة والرد على الصورة المشوهة والمعلومة الخاطئة واحب على كل فرد!
والحدث الآخر الذي سيطر على مشاعر الأمة هو الحرب الصهيونية الشاملة على العزل المحاصرين في غزة، وبينما التصريحات الرسمية تدعم ذلك الحق المزعوم في الدفاع عن النفس، وسط "قبول" عالمي لجرائم فظيعة بحق الإنسانية، ومهاجمة إسرائيل لمنشآت نفس المنظمة التي اسبغت الصفة الشرعية على ذلك الوجود المعتدي، ذات يوم، كان والدي وفرقته من المصريين والعرب الأبطال ينفذون للدفاع عن القدس الشريفة والأرض الفلسطينية.
إن مجرد الحديث عن الحاجات الإنسانية البديهية للشعب الفلسطيني، أصبح رهينة للأهواء السياسية والضغوطات الديبلوماسية، ومع وجود الحاجة الملحة لإغاثة الشعب الفلسطيني، وإعادة إعمار غزة، يصبح دور المنظمات الشعبية الإنسانية أكثر إلحاحا، من مد جسور المساعدات عبر المنظمات غير الرسمية والتعاون مع منظمات الأمم المتحدة العالمية في القطاع، وكذلك تبرز مرة اخرى اهمية الإستثمار في وسائل الإعلام من أجل تعريف العالم بحقائق الأمور والتبصير بعظمة النفس المسلمة وكشف الفناع عن الوجه الفبيح للظلم الإسرائيلي وعدم ترك ادوات الإعلام حكرا على السيطرة الصهيونية.
أيها الحفل الكريم،
إن من فضل الله على والدي ان حياته كانت حافلة بالإنجازات والأسفار والألقاب، إلا أن أعظم لقب نال شرفه، هو جندي على ثرى فلسطين، وخلال حياته كان لديه العديد من الأصدقاء المهمين من مختلف انحاء العالم، إلا أن أخلاؤه هم رفقاء السلاح الذين كان يذكرهم دوما بكثيرمن اللهفة والشوق، وأحباؤه هم الذين رافقوه في المؤتمرات العديدة لتمثيل المسلمين.
نحن إذ نعتصر ألما على فراقه، أسفا لنضوب قلمه، نذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها علم ينتفع به.
ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير على هذه اللفتة الكريمة من تكريم والدي وإتاحة المجال لي، كي أحضر هذه المناسبة العزيزة على عائلتي، داعيا الله عزوجل أن يحفظكم ويسدد خطاكم.
رحمك الله يا أبي رحمة واسعة، وأفسح لك في الجنان ما أحببت، وأسكنك في رحمته التي لا تنقطع إنه نعم المولى ونعم النصير.